وهبة الزحيلي
249
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أي يا أيها البشر جميعا ، أنتم المحتاجون إلى اللّه تعالى على الإطلاق ، في منح القدرة على الحياة والبقاء ، وفي جميع الحركات والسكنات ، وفي جميع أمور الدين والدنيا ، لذا فاعبدوه وحده ؛ لأن ثمرة العبادة عائدة إليكم وحدكم ، واللّه هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له عن عبادتكم وغيرها ، وهو المحمود المشكور على نعمه وعلى جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه . وذكر الْحَمِيدُ ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه ، الجواد المنعم عليهم ، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه . ثم أبان غناه وقدرته التامة بإمكانه استبدالكم ، وأنه غير محتاج إليكم ، فقال : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ، وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي لو شاء لأفناكم أيها الناس ، وأتى بقوم غيركم ، يكونون أطوع منكم ، وأجمل وأحسن وأتم ، وما ذلك بصعب عليه ولا ممتنع ، بل هو يسير هيّن عليه . وفي هذا تهديد ووعيد وتبديد لأوهامكم أنه لو أذهب البشر لزال ملكه وعظمته . ثم دعاهم إلى النظر والتأمل في المستقبل ، وأخبرهم بمسؤولية كل إنسان يوم القيامة عن نفسه فقط دون غيره ، فقال : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي ولا تحمل نفس آثمة أو مذنبة إثم أو ذنب نفس أخرى . وهذا لا يمنع مضاعفة الإثم للمضلين القادة ، كما قال تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ، وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ [ العنكبوت 29 / 13 ] . وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى أي وإن طلبت نفس مثقلة بالأوزار والذنوب مساعدة نفس أخرى في حملها ، لتحمل